لشراء المجلدات الأربعة (28 دولارا) أضغط هنا
ولشرائها ورقيا (120 دولار) أضغط هنا
لشراء المجلدات الأربعة (28 دولارا) أضغط هنا
ولشرائها ورقيا (120 دولار) أضغط هنا
رواية من أربعة مجلدات: الجثمان، الهاروس، الزنزانة، جمران
كُتبت هذه الرواية على مدار 15 عاما، لترسم ملامح عالم غارق بالقهر والتعسف ومحاولات الخلاص. عالم نعرفه. ونعرف أبطاله وضحاياه مثلما نعرف دوائره وسادته. ولئن بدا وكأنه عالم من رمل ونمل ورماد، فلأن النهايات فيه سلمت نفسها لمناورات الطغيان.
أسامة عكنان، إنما خطّ بهذا العمل كلاسيكية أدبية من بين أرفع الكلاسيكيات الروائية العربية. لم يقتفِ بها إلا رؤيته الخاصة، ولم يبنِ عمارتها إلا من مصوغات ثقافته، ومما تداعت الأحداثُ والتقلباتُ من حوله.
عملٌ جدير بأن ينتسب الى رف الأعمال الخالدة التي كتبها روائيون عرب كبار. أحد ميزاته أنه كُتب مما يسيل من الجرح، في فضاء عام ما يزال أقرب الى زنزانة جماعية، تطحن الأيام والناس والاحلام كما لم تُطحن في بيئة جدب وخواء. ميزته الأخرى، أنه ابن تجربة ومقاربة ولغة خاصة، حتى ليبدو وكأنه يطرق الغابة من طريق لم يرتده أحد، ولا حتى أراد له أن ينتهي الى ما أصبح إليه، في سردية لا تتوقف، ومن ثم لتصنع عالمها الخاص.
لم يتكلف الراوي شيئا لأجل مداراة أي أحد. ولا صنع تسويات، ليقدم عالما ليست واقعيته إلا مما يُهشّم مرآة الخيال. حتى أنه لم يتكلف إجراء تسوية حيال ما قد يصنعه العنوان من التباس. تركه لقارئ يفهم المغزى عندما يلمسه في عمى سكان "كوم الصرار" عن رب لا ينام (سبحانه)، وهو عمى بصيرة وأبصار، تتصحر فيه العقول والقلوب عن مالك الملك ذي الجلال والإكرام، ليعربدوا في قيلولة الأقدار التي أتاحت للجدب أن يكون هو الأقدار.
لم تكن سمية في حاجة إلى أكثر من نصف دقيقة حتى تعرف أن عاصي رحل عن هذه الدنيا تاركا وراءه نصا أسطوريا كتبه على مدى عشرين يوما قضاها وهو ينفِّذ أقسى عملية انتحار، ووضع له عنوانا سيبقى خالدا في ضمائر البشر: "عشرون يوما في حياة نبي لم يبعثه الله". قرأ الناس في "عشرون يوما من حياة نبي لم يبعثه الله" وصيةً وجد فيها كلُّ قارئٍ رسالةً موجَّهة إليه دون غيره. اشتَمُّوا في كلمات عاصي ما لم يشتَمُّوه في كلماتٍ قبلها. وتنفَّسوها هواء نقيا لم يتنفسوا مثله في كوم الصرار من قبل. واسْتَشْفَوا بنزيف آلامه التي كُتِبَت بها الوصيَّة من نزيف ذلِّهم وجهلهم وخنوعهم. أصبح "عشرون يوما من حياة نبي لم يبعثه الله" صعقة تيار بثَّه في الأرواح رجلٌ ما عرفه الناس إلا ملحدا لم يتوقَّف يوما عن العربدة على امتداد غفوة الرب وقيلولته، ومرجعا من مراجعهم المقدَّسة. وغدا عاصي منذ أن رحل تاركا وراءه بصمةَ مؤمن أيقظ الرَّبَّ من غقوته الطويلة في خلاياه ثم صادَقَه، أيقونة توَّج بها الصغير قبل الكبير لحظةَ صحوةٍ أَبَقَت فيها كل العظام الرَميم عن سباتها في برازخها.
أيُّ موضوعيَّة هذه التي تتوخىَّ الحياد في عبور طريقٍ قد تقود إلى مخبإِ الرَّب المثخن بجراح النكران والصدود، بعد أن كانت قد طعنته بكل خناجر الانطباعيَّة ونزوات الهوى، عندما أرادت عبور الطريق المعاكس المفلتِ من قبضته؟! انتابه فجأة إحساسٌ غريبٌ بالتعاطف مع هذه "الكذبة التي اسمها الإله"، فقد بدا له أنها الكذبة الوحيدة التي نُحَمٍّلُها أكثر من قدراتها، ونعاملها بكل القسوة والظلم واللاإنصاف، التي هي الصفات ذاتها المُعَدَّة في جُعَبِنا لمحاربة فكرة الرَّب، حينما نحاربها.. "نطالبها بأقصى درجات الموضوعيَّة كي ننزع عنها وصمة كونها كذبة، ونتشدق بأنها كذبة، لا لشيء إلا لأنها لم تتجاوب مع اتجاه منِيِّ "......" وهو يتدفق بمجون خارج شرايين نزواتنا.. وكأننا نريد رباًّ مصمَّما على مقاسات عهرنا وفجورنا، نضعه مكان تلك "......" كي نرضى به، ما دام هذا هو الوضع الوحيد الذي يمكننا من جعل الرب خازوقا "......" نطعن به كل ما لا يستجيب لأهوائنا ورغباتنا ونزواتنا.
لم يستطع عاصي فهمَ كوم الصرار، هل هي ترثيه بِسَكْبِ المطر، أم أنها تُعِدُّ براكينها كي تلحق بجنونه وهو يرسم خرائط التَّحّديِّ وراء القضبان، بزمجرة الريح؟! سألها وهو يراقص طيف مالسابور، عماَّ إذا كانت نُدَفُ الثلج السَّكرى تمسحُ عنها برحلة فنائها من السماء إلى الأرض وَخَمَ النوم الطويل، كي ترى كما يرى المبصرون، وكي تثورَ كما يثور الأنبياء والمرسلون، أم أنها تستحم بهذا الفناء خجِلَةً بذُلِّها الأبدي من زلازله القادمة، التي قرأت بعضاً من فصولها في رقصات الإله مع مخلوقته الراحلة تحت نيرِ المطر؟! سأل أزقَّتها وحواريها وشوارعها والأضواء وطوب الأرض في مآقيها أن تتمنى عليه. كيف تريده أن يموت لأجل عينيها كي تكُفَّ عن النوم وتصحو؟! أيُّ أنواع الرحيل تطلبه مهراً لفورة العشق المجنون كي تدُبَّ في أوصالها الجافة؟! أخبرها وهو يبكي بأنه راحل، وتوسَّل إليها أن تجعلَ رحيله لها لا لغيرها، ورجاها مساعدته على رسم رحيله لوحةَ صمودٍ تفخر بها وتُرضعها للحيارى، للسكارى، للعذارى، ولكل حبَّة رمل في هذه الصحارى، نوبةَ مجدٍ في جرعة يقظة.
غفا القدر والإله نام (*)، وقادَ جمعُ إبليسَ إلى السماء سحابةً عاقراً أتخمها العطش، لإرواء الظَّمْآى وإحياء موت الصحارى القابع في لظى الأزل. انقشعت الرمال الأبدية عن ركامٍ هنا وعن ركامٍ هناك. وتَدَلَّى من خلاصات المخاض المشؤوم لقيطٌ هنا ولقيط هناك.
يَمَّمَ كل اللقطاءِ صرخاتِهم الأولى صَوْبَ رائحة الزنى تفوح من ثقبٍ هنا ومن ثقبٍ هناك، حتى غدا الشرف في الـ "هنا" صِنْوَ العهر في الـ "هناك"..
غرِق الكل في سرابات العطش، عندما راحوا وهم تحت لسعِ السياط، يبحثون عن ينابيع الماء الزُلال وعن سنابل الذهب، وعن روح الرَّعْدِ وقلب البرقِ وأنفاس المطر، وعن عقل الإله، في أساطير الغبراء وفي طُهْرِ المجدلية والناصريَّة، وفي مجد خولة وزينب وسُكينة، وفي صبر الخنساء، وفي شبقِ مؤمنةٍ حسناء دَثَّرَها الحرمان بعد أن أعياها صوم أبي الدرداء. عشقوا الظمأ، وغدا في عُرْفِهم كفرا وشركا وإلحاداً أيُّ سبيل غير العَمى للإبصار، وغير احتساء أبوال الإبل للارتواء.
ـــــــــــــــ
* في أعين ذوي العمى (الناشر)
الدكتور أسامة عكنان، إعلامي، وباحث، وروائي، وسيناريست، ومخرج سينمائي. ولد عام 1960 في نابلس، يحمل دكتوراه في العلوم السياسية، من "جامعة بروكلين بارك"، الولايات المتحدة الأميركية، عام 2013. ودرس السيناريو والإخراج والإنتاج السنيمائي في "معهد الفيلم الأميركي"، هوليود، الولايات المتحدة الأميركية – عام 1998.
عمل محررا وكاتبا صحفيا في العديد من المجلات والصحف الأردنية الصادرة داخل الأردن، والعربية الصادرة خارج الأردن من سنة 1985 إلى سنة 2021. وقد نشرت له تلك الصحف والمجلات مئات المقالات والتحليلات والدراسات. وأجرى حوارات مع العديد من القنوات التلفزيونية.
عمل باحثا في مركز الشرق للدراسات والترجمة ومقره عمان/الأردن، في الفترة من عام 1985 حتى عام 1990، وقد أعد لحساب المركز دراسة قدمت لجامعة الدول العربية/المنظمة العربية للثقافة والتربية والفنون بعنوان "واقع التعليم في الأراضي الفلسطينية المحتلة". وأشرف على إعداد عشرات الدراسات لحساب المركز.
كما أعد عددا من الدراسات لحساب "المعهد المصري للدراسات" ومقرة إسطنبول/تركيا، منها: "دور الإنترنت في الثورات العربية"، و"سيكولوجيا المحارب الإسرائيلي" (من ثلاثة أجزاء). وأعد عددا من الدراسات لحساب "مركز الدراسات الاستراتيجية والدبلوماسية" ومقره تونس، منها: "أَسْرَلَة" و"صَهْيَنَة" الأردن، و"صفقة القرن" مجرد "أوسلو جديدة" طُرِحت لترحيل الصراع، و"التدخل الروسي في سوريا من أيِّ مكونات جيوسياسية جاء، وإلى أيِّ خرائط وترسيمات إقليمية هو ذاهب بنا؟"، و"مفاتيح العقل الاستراتيجي الأميركي في ضوء مشروع الإمبراطورية"، و"من مخرجات سايكس بيكو المدمرة الأكرادوفوبيا والآرابوفوبيا"، ولبنان في مهبّ العاصفة: من انفجار ميناء بيروت إلى ترسيم الحدود مع إسرائيل".
وصدرت له عدة مؤلفات، منها:
- "حوار هادئ في أسس المذهبية الاقتصادية"، عام 1989 في عمان عن منشورات "مركز الشرق للدراسات والترجمة"، ويقع في 120 صفحة، ويعرض رؤية جديدة في الاقتصاد الإسلامي.
- "إعصار الخليج"، عام 1990 في طبعته الأولى في عمان/الأردن عن "مكتبة الكليات"، وفي طبعته الثانية في الجزائر عام 1991، عن دار الشهاب للنشر والتوزيع. يقع في 200 صفحة، ويتعرض لجذور أزمة الخليج الثانية اقتصاديا وتاريخيا.
- "رسالة إلى الله"، وقد صدر عام 1999 في كاليفورنيا بالولايات المتحدة عن دار أفنان للنشر والترجمة، وتولت طباعته وتوزيعه دار الكنوز الأدبية في لبنان، ويقع في 200 صفحة، ويقدم رؤية جديدة للفكر الإسلامي.
- رواية بعنوان "الحليب والدم"، عام 2001 عن دار الأمين للنشر والتوزيع بالقاهرة. وتقع في 240 صفحة، وتعالج مسألة التطبيع مع إسرائيل.
- "سيكولوجيا المحارب الإسرائيلي"، عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع بعمان عام 2007، ويقع في 150 صفحة، ويعالج البناء النفسي للإنسان الإسرائيلي عامة وللجندي الإسرائيلي خاصة.
- "تجديد فهم الإسلام"، عام 2008 عن دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع، ويقع في 448 صفحة، ويعالج إعادة بناء أصول الدين الإسلامي والتفكير الديني عموما.
- رواية رباعية (من أربعة أجزاء) بعنوان "عربدة أثناء قيلولة الرب"، عناوين أجزائها هي على التوالي.. "الجثمان"، "الهاروس"، "الزنزانة"، "....."، وتقع الأجزاء التي صدرت منها في حوالي 1,000 صفحة، وقد صدرت أجزاؤها الثلاثة الأولى في شهر كانون ثاني/يناير من عام 2014، عن دار غيداء للنشر والتوزيع بعمان/الأردن، علما بأن الجزء الرابع ما يزال قيد التأليف ولم يُستَكمل بعد.
- "خطة الله لإدارة الكون/مشروعنا النهضوي ورسالتنا الحضارية إلى العالم/الفلسفة والتاريخ" ويقع في 844 صفحة في جزأين، وقد صدرت طبعته الأولى شهر تشرين ثاني/نوفمبر من عام 2017 عن دار قرطبة للنشر والتوزيع بالجزائر. وطبعته الثانية في كانون ثاني/يناير 2020، عن دار روافد للنشر والتوزيع في القاهرة.
وفي مجال السينما والتلفزيون قام بإخراج بعض الأفلام الوثائقية للقطاع الخاص وللتلفزيون الجزائري. وكتابة سيناريوهات لعدة مسلسلات عربية لأكثر من جهة في القطاع الخاص وللتلفزيون الجزائري.
الدكتور أسامة عكنان يتحدث عن كتاب استغرق العمل به 22 عاما، واقتضى ملاحقة آلاف المراجع والمصادر، وذلك بمقدار ما اقتضى مراجعات وتحسينات ترافقت مع أحدث ما شهده العالم والمنطقة من تطورات، ولم يخرج الى النور إلا بعد عناء طويل.
الكتاب الذي انطوى على رؤى متعددة فكرية وفلسفية واقتصادية وانثروبولوجية وجيوسياسية، هي ما جعلته كتابا ضخما، يزيد حجم أجزائه الأربعة، بنسختها الإلكترونية عن 2900 صفحة، بينما يزيد حجم هذه الاجزاء بنسختها الورقية عن 2200 صفحة، ما يجعله واحدا من أكبر الأعمال البحثية في عالم اليوم.
الدكتور عكنان، يترك بذلك أثرا مشهودا، سوف يذكره له تاريخ الفكر في العالم العربي بالكثير من التقدير والامتنان، لأنه شاهدٌ قال ما لم يقله أحد عن واقع الحال.
منذ أن ظهر الرسول محمد بن عبد الله عليه السلام واستقر في يثرب، وضع "كهنة اليهود" خطة لمحاربته ولمحاربة الدين الذي جاء به، ولقد اعتمدت هذه الخطة على أربع إستراتيجيات هي:
الأولى: محاولة استمالته واستعباد الناس به، فإن فشلت، فالإستراتيجيا البديلة.
الثانية: محاولة اغتياله، فإن فشلت، فالإستراتيجيا البديلة.
الثالثة: محاولة تحريف كتابه الذي أوحي له به، فإن فشلت، فالإستراتيجيا البديلة.
الرابعة: صناعة دين مواز لدين القرآن بمواصفات معينة تتيح فرصةً للتلاعب بدين القرآن إلى قيام الساعة.
فشلت الإستراتيجيات "الأولى والثانية والثالثة". الأولى لأن الرسول كان يعرف دوره ومهمته التي اختاره الله لأجلها، فما لان وما استكان، ولا تراجع ولا ضعُف. والثانية لأن الله عصَمَه من الناس، ففشلت كل محاولات اغتياله. والثالثة لأن الله حفظ كتابه من أي تحريف في محتواه النصي حتى لو كان تلاعبا بحرف من حروفه، عبر تحميل الرسول نفسه عليه السلام مهمة كتابته وجمعه وترتيبه على النحو التوقيفي الذي أوحى له الله به. ولكن نجحت الإستراتيجيا "الرابعة"، وتم اختلاق دين موازٍ لذلك الدين الذي في القرآن الكريم.
احصل على نسخة من هذا الجزء من..
أيُّ واقع عربي قَوِيٍّ يكون الإسلام المتنور مُجَسِّدا لنهضته، وهو واقع غير موجود حتى الآن، ولذلك يفعلون المستحيل للحيلولة دون إيجاده.
فهل نعي هذه المعادلة، ونفهمها ونتحرَّر من أوهامنا ونتحرك في ضوء ما تقتضيه من مُخرجات وسياسات، وما تفرضه من مشاريع للنهضة وللتحرُّر؟! وهل نتجنب الغرق في تفاصيلَ أوهِمنا بأنها هي الكُلِّيات، وجُعِلنا نغضُّ الطرف من ثم عن "المعادلة الكلية" الكبرى التالية التي بدونها تُضَيِّعُنا تلك التفاصيل ولا تغني من أمرنا شيئا:
"العروبةُ المتكاملة شكلا ومضمونا هي الحامل" و"الإسلام المتنوِّر هو المحمول"، وبدون الأول لا يقوم الثاني، لذلك فهم يستهدفون الأول ولا يُتعِبون أنفسَهم في استهداف الثاني، لأنهم يعلمون أن الثاني لا يمكن استهدافه في ذاته إلا إذا تمَّ استهداف الأول ولا يمانعون أبدا لو أنه – أي الإسلام – بحثَ عن حامل آخر يستند إليه " من غير العرب. مع الإشارة إلى أن "أَرْهَبَة الإسلام"، أي تحويله إلى مَفْرَخَة للتشدُّد والتطرف والتكفير ومن ثم للإرهاب، لم تكن نتيجةً لاستهداف الإسلام ذاته، وإنما هي نتيجة لاستهداف العرب ذاتهم لجهة دفعهم إلى تخليق هذه الظاهرة عبر مُحَفِّزات ومُؤَثِّرات ثقافية وسياسية واقتصادية من شأنها أن تدفعهم إلى إنجاز هذا التخليق.
احصل على نسخة من هذا الجزء من..
"الله" يساعد الإنسان عبر "النبوات" ليرتقي بإرادته، أي بحريته ووعيه، مدعِّما كل عوامل استظهاره لمكونات هويته الإلهية، ويخبره بأنه قد سخَّر له كل شيء في هذا الكون ليقوم بمهماته، وليمارس حياته، وليُجلِّيَ بصمة الله فيه على أكمل وجه، وبأتم صورة: السماوات والأرض، الطبيعة الحية والجامدة، الحيوان والنبات، الماء والهواء، ما في باطن الأرض وما في جوفها، الأقمار والكواكب، الليل والنهار، ما يراه وما لا يراه. ويساعده على مدى آلاف السنين من التدخل في حياته بنبوتي "الإنذار" و"الرسالة"، على وضع حُزم القواعد القِيَمِيَّة التي ستُمَكِّنه من إدارة تعامله مع هذه العطايا الإلهية على النحو الملائم والفعال والبناء الذي من شأنه أن يجعل معادلة: "الحياة = الأرض + الإنسان + النظام" معادلة متوازنة وسلسة وتحقق ذاتها باستمرار في مجرى خطة إلهية ترتقي به على الدوام وإلى الأبد نحو الأفضل والأسمى والأبهى.
ثم تأتي الانحرافات الكبرى التي شهدها تاريخ الإنسان، والتي استكملتها الرأسمالية بأبشع مظاهر الاعتداء على تلك العطايا الإلهية على مدى ثلاثة قرون، لتخرب كل شيء، ولتفكر – عندما رأت أن الأمر لم يعد يستقيم على النحو الذي هو قائم عليه – في أنَّ الحل يكمن في العدوان السافر على الإنسان الذي كانت النبوات تعلِّمه كيف يمكنه أن يجعل كل شيء في خدمته، وفي خدمة إنسانيته الإلهية.
احصل على نسخة من هذا الجزء من..
إن عدم القدرة على ممارسة الحرية لا ينطوي في ذاته على تغير جوهري في بُنية الهوية الإنسانية القائمة على الحرية. وهذا ما كان عليه الإنسان على مدى عهود طويلة من تاريخه. إذ أن جوهر الصراع الذي حكم كل مراحل التطور الإنساني هو أنه كان يجسِّد على الدوام نزاعا من نوع ما بين من يريدون التحرر، ومن يريدون منعهم من ذلك. إن هذا الوضع – وهو حرمان الإنسان من الحرية – ممارسةً – مع بقائها مكونا هوياتيا جوهريا في بُنية الإنسان – قد يُمَكِّنُه من السعي للتحرُّر من قيود وأطواق الرأسمالية ذاتها. أما عدم الشعور بالحاجة إليها – أي بعدم الحاجة إلى الحرية – فيحوله إلى كائن آخر غير الإنسان المعروف، لأنه بعدم شعوره بالحاجة إليها، يكون قد فقد أهم مكون من مكوناته الهوياتية الراسخة في طبيعته الإنسانية.
إنها في واقع الأمر معركة شرسة بين فريقين متناقضي الغايات والأهداف هما:
– من يدافعون عن الطبيعة التي خلق الله الإنسان عليها، والتي هي "إلهية الجوهر" بحكم وجود الحرية المنطواة في الإرادة الإنسانية، بصفة هذه الأخيرة مكونا يجسِّد النفخة الإلهية في الإنسان.
– وأولئك الذين يريدون لهذا الإنسان أن ينسلخَ من تلك الطبيعة التي خلقه الله عليها، ويتحول إلى كائن آخر فاقد للجوهر الإلهي لإنسانيته.
احصل على نسخة من هذا الجزء من..