سطور عن المؤلف
عبد الرحيم شرارة، كاتب وباحث معاصر في مجال الدراسات الاجتماعية، يهتم بتحليل القضايا الإنسانية والمجتمعية بأسلوب واضح وقريب من القارئ. يركّز في كتاباته على فهم سلوك الأفراد، وتطور المجتمعات، والتغيرات التي يشهدها العالم اليوم. وقدّم عددًا من المقالات والأبحاث التي تجمع بين المعرفة الأكاديمية والطرح المبسّط، سعيًا إلى تعزيز الوعي بالقضايا الاجتماعية المعاصرة.
هذا الكتاب
في فترات الضعف يميل التدين الاجتماعي إلى التركيز على ما يستطيع الفرد مراقبته بسهولة. يصبح التصرف الفردي من ملبس وتفاصيل سلوك خاص ساحات صاخبة للأمر والنهي، بينما تمر الرشوة، والمحسوبية، والظلم، والغش في العمل، وإهانة العامل، ونهب المال العام بهدوء. لا يعني هذا أن الأخلاق الفردية بلا قيمة، بل يعني أن ميزان الاهتمام مختل. فالمنكر الذي يدمر حياة آلاف الناس أخطر من الخطأ الفردي، والعدل العام ليس أقل دينية من الموعظة الخاصة.
لا يبدأ الأمر بالمعروف من سلطة يتوهمها الناصح على المنصوح، بل يبدأ من المسؤولية. قد يكون معروفك أن تمنع زميلاً من إذلال موظف جديد، أو أن تشهد بالحق ولو خسرت منفعة، أو أن تبلغ عن خطر في مبنى عام، أو أن تساعد إنساناً تائهاً. وقد يكون نهيك عن المنكر أن ترفض تزوير رقم، أو أن توقف تنمراً، أو أن توثق فساداً بطريقة قانونية، أو أن تعترض على قرار يميز بين الناس.
الفرق بين الإصلاح والوصاية هو الفرق بين من يريد: خير الإنسان ومن يريد السيطرة عليه. المصلح يحفظ الكرامة، ويتحقق، ويختار الوسيلة الأقل أذى، ويعرف حدود علمه وسلطته ويُقر بأنه ليس أفضل من غيره بل أفضل حالاً بتوفيق من الله لا بجهدٍ شخصي. أما الوصي فيستمتع بإدانة الناس، ويختار الضعيف لأنه لا يستطيع الرد، ويصمت أمام القوي. لذلك يمكن اختبار صدق الخطاب الأخلاقي بأسئلة بسيطة: هل يتجه إلى موضع القوة والخطر، أم يكتفي بمراقبة وإدانة فئة لا تشكل خطراً ؟ هل يجاهر بالحق دون أن تأخذه لومة لائم أم يتستر وراء الإعجاب والإكبار؟ هل يتخيرُ المعارك الآمنة أم أنه هو هو في كل حين؟ هل يقول ما يفعل ولو كان على أهله وماله أم أن سلطته تمتد للخارج ويغض الطرف عما يقع في عقر داره؟
مقتطف
منافذ التوزيع