علاوة فوزي - الصناعات الثقافية
جدلية التقنية والمجتمع - الجزء الأول
جدلية التقنية والمجتمع - الجزء الأول
سطور عن المؤلف
علاوة فوزي، كاتب وأكاديمي
هذا الكتاب
العمل الحالي حول الصناعات الثقافية هو استجابة لنقص نسبي، تمت ملاحظته، في تناول مفهوم هذه الظاهرة في المراجع باللغة العربية، وكما هو معلوم فان تحديد المفاهيم وتوضيحها في لغة معينة يعد من اهم الواجبات التي يجب ان يضطلع بها الباحثين في مختلف التخصصات العلمية، وباعتبار مفهوم الصناعات الثقافية هو واحد من المفاهيم الحاضرة في حياة الافراد بشكل كبير فهو يحتاج الى توضيح وتحديد، وهذا ما من شانه ان يسهم في اثراء بنية المفاهيم في اللغة العربية، خاصة إذا علمنا ان أخطر الازمات التي قد تواجه أي مجتمع هي ازمة المفاهيم، حيث ان أفقر اللغات هي اللغات التي لا تمتلك مفاهيم واضحة، فلا توجد لغة متأخرة ولغة متطورة، بل توجد مفاهيم واضحة ومفاهيم غير واضحة لدى الافراد في مجتمع معين، مع كل الانعكاسات التي يمكن ان تتم على مستوى سلوكيات هؤلاء الافراد نتيجة لذلك[1]، في هذا الاطار فان العمل الجامعي والأكاديمي يحتم علينا المساهمة في تشكيل لبنة بسيطة في البناء الاجتماعي من خلال تناول مختلف المفاهيم المتعلقة بالحياة الإنسانية والاجتماعية، وهذا التناول سيكون في ظل السياق العام التاريخي والاجتماعي، لان المفاهيم المنعزلة والمنفصلة عن هذا السياق قد تتعرض للسطو والتحريف وحتى التشويه، وبالتالي إمكانية ان تلعب أدوار تضليلية مخالفة لأدوارها الاصلية المرتبطة بالتنوير، بعبارة أخرى يمكن القول ان الهدف الأساسي من هذا العمل هو خلق وعي بظاهرة حاضرة بشكل كبير في الحياة اليومية المعاصرة من خلال توضيح مفهومها للمختصين وغير المختصين، لان الوعي القائم على المعرفة هو اهم الطرق التي تسمح للإنسان بالتغلب على الصعوبات التي تواجهه والتحرر منها.
مفهوم الصناعات الثقافية الذي نحن بصدد التطرق له يشير الى تطور أنشطة انتاج وإعادة انتاج مختلف الاعمال والمواد الثقافية في ظل مجموعة من السياقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتقنية، فالإشكالية الأساسية في هذا العمل تكمن في اختلاف هذه السياقات من مكان الى مكان، ومن زمان الى زمان، ومن صناعة ثقافية الى صناعة ثقافية أخرى، لذا من المهم تكوين فكرة عن الصناعات الثقافية من خلال التتبع التاريخي لظهورها وتطورها، وهذا ايمانا منا ان ما تعيشه البشرية اليوم في كل المجالات هو نتيجة مباشرة وغير مباشرة لأحداث متراكمة في الماضي، وهذا مما لا شك فيه سيسمح بتكوين نظرة شمولية تجعلنا قادرين اكثر على الملاحظة والمقارنة، أي ان هذا العمل سيكون من خلال مقاربة نظرية تطورية تركز على التحولات المستمرة والسريعة التي عرفتها ظاهرة الثقافة منذ حوالي قرنيين من الزمن، في المجتمعات الصناعية المركزية، كما في مجتمعات العالم الثالث التي كان تطورها على هامش التحولات الصناعية المعاصرة، هذا التاريخ القصير نسبيا شهدت خلاله مختلف الصناعات الثقافية تغيرات متعددة ومختلفة أدت الى تحولات بنيوية عميقة على واقع هذا النشاط من جهة، وعلى واقع المجتمعات المعاصرة ككل من جهة اخرى، فالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المتغيرة باستمرار وبسرعة جعلت من هذا النوع من الصناعات متغير بنفس الشكل، أي ان الإنتاج الثقافي بشكل عام لا يمكن اختزاله في الجانب الفني فقط، بل هو مرتبط كذلك بظروف تقنية واجتماعية تتفاعل فيها ابعاد سياسية واقتصادية وحتى أيديولوجية.
المؤلف
منافذ التوزيع